كيفية قياس أكثر الأقمشة صداقةً للبيئة
تحديد القماش الأكثر صداقة للبيئة يتطلب ذلك تحليلًا دقيقًا يشمل مرحلتين من دورة الحياة: الآثار الناتجة عن الإنتاج والسلوك في نهاية العمر الافتراضي.
المقاييس الرئيسية لأثر النسيج على البيئة: استهلاك المياه، البصمة الكربونية، المدخلات الكيميائية، وكفاءة استخدام الأراضي
عند تقييم مدى استدامة الإنتاج فعليًّا، هناك عدة عوامل رئيسية تستحق التأمُّل. ولنبدأ باستخدام المياه، الذي قد يختلف اختلافًا كبيرًا بين المواد المختلفة. فعلى سبيل المثال، يتطلَّب إنتاج القطن العادي نحو ٢٧٠٠ لتر من المياه لإنتاج قميص واحد فقط، في حين أن القنب يحتاج إلى أقل من نصف هذه الكمية، أي أقل من ٥٠٠ لتر فعليًّا. أما بصدد البصمة الكربونية، فهي تُقاس بوحدة مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام، وتغطي العملية بأكملها بدءًا من زراعة النباتات وانتهاءً بإنتاج النسيج. وهنا يتميَّز الليوسيل بوضوح، إذ يطلق انبعاثات أقل بنسبة تقارب ٦٠٪ مقارنةً بالبوليستر. وماذا عن المواد الكيميائية؟ وفقًا لتقرير الحملة العالمية لمكافحة المبيدات (PAN UK) الصادر عام ٢٠١٨، فإن زراعة القطن وحدها تشكِّل نحو ١٦٪ من إجمالي المبيدات الحشرية المستخدمة عالميًّا. وأما فيما يتعلَّق بكفاءة استخدام الأراضي، فإن القنب يتفوَّق بلا شك على القطن. وقد أفادت منظمة «إكسشينج التريكو» (Textile Exchange) في تقريرها لعام ٢٠٢١ بأن إنتاجية القنب تبلغ نحو ١٥٠٠ كيلوجرام لكل هيكتار، بينما لا تتجاوز إنتاجية القطن ٥٠٠ كيلوجرام تقريبًا لكل هيكتار. وهذا الفرق يُحدث أثرًا حقيقيًّا في الحفاظ على الموائل الطبيعية ومنع التضرُّر البيئي أيضًا.
لماذا تُعتبر اعتبارات نهاية العمر—مثل القابلية للتحلل الحيوي، وانبعاث الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وإمكانية إعادة التدوير—عوامل حاسمة
ما يحدث بعد التوقف عن استخدام شيء ما له تأثيرٌ كبيرٌ على بيئتنا على المدى الطويل. فتنحل المواد الطبيعية مثل الكتان تمامًا خلال بضعة أشهر فقط، بينما تبقى الأقمشة الاصطناعية موجودةً لقرونٍ عديدة، وقد تستغرق أحيانًا أكثر من 200 سنة حتى تتحلّل. ويتفاقم هذا المشكل عند أخذ جزيئات البلاستيك الدقيقة (الميكرو بلاستيك) في الاعتبار أيضًا. وتشير الدراسات إلى أن الملابس المصنوعة من البوليستر والنايلون تطلق نحو 35% من إجمالي جزيئات البلاستيك الدقيقة الموجودة في المحيطات، وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) لعام 2020. وهذه الجسيمات البلاستيكية الصغيرة تُخلّ باستقرار النظم الإيكولوجية بأكملها وتعرّض الحياة البحرية والبشر الذين يستهلكون المأكولات البحرية الملوثة لمخاطر جسيمة. أما إعادة التدوير فهي حلٌّ آخر يستحق الاستكشاف. ويمكن تقنيًّا إعادة تدوير القطن عبر عمليات ميكانيكية، رغم أن ذلك يؤدي عادةً إلى إنتاج قماشٍ أقل جودة. ومن ناحية أخرى، تسمح بعض أنواع ألياف الليوسيل بإعادة تجديدٍ شبه كاملة، إذ يُعيد المصنعون استرجاع أكثر من 99% من المذيبات المستخدمة أثناء عملية الإنتاج. وللأسف، لا تتوفر خيارات إعادة تدوير من هذا النوع بالنسبة لمعظم الأنسجة على الإطلاق، ما يعني أنها تنتهي في مكبات النفايات بكمية تُقدَّر بنحو 92 مليون طن سنويًّا، وفق تقرير مؤسسة إلين ماكارثر عام 2019.
أفضل الألياف الطبيعية مرتبةً حسب تأثيرها البيئي
القنب: يستهلك كمية قليلة من المياه، ويزيد من احتجاز الكربون، ويحتاج إلى كميات ضئيلة من المبيدات الزراعية
برز القنب باعتباره أحد أفضل الألياف الصديقة للبيئة، لأنه يحتاج إلى كمية أقل بكثير من المياه مقارنةً بالقطن — فعلاً نحو نصف الكمية التي يحتاجها القطن. علاوةً على ذلك، يمكن لهذه النبتة أن تمتص ما يقارب ١٥ طنًّا من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا على هكتار واحد فقط من الأراضي. وما يميز القنب حقًّا هو مقاومته الطبيعية للآفات، مما يقلل استخدام المبيدات الحشرية بنسبة تتراوح بين ٨٠٪ و٩٠٪ مقارنةً بالمحاصيل التقليدية. أما الطاقة اللازمة لمعالجته فهي معقولة نسبيًّا، وتتراوح بين ٢٥ و٣٠ ميجاجول لكل كيلوجرام. ولا ننسى دورة نموه السريعة التي تستغرق ما بين ٩٠ و١٢٠ يومًا، ما يعني أن المزارعين يحققون عائدًا أعلى من أراضيهم من حيث الاستخدام الأمثل لها. وعلى عكس المواد الاصطناعية التي تطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة ضارة في بيئتنا، فإن القنب يتحلل تمامًا وبشكل آمن في مرافق التسميد الصناعي بعد انتهاء عمره الافتراضي.
الكتان (الكتّان): مقاوم للجفاف وقابل للتحلل البيولوجي—لكن استهلاك الطاقة في عملية التخمير وشفافية سلسلة التوريد يُعدان عاملين حاسمين
يتميّز الكتان المستخرج من نبات الكتّان بأدائه الممتاز عند زراعته باستخدام مياه الأمطار الطبيعية فقط، حيث يحتاج إلى حوالي ٦٫٤ لتر من المياه لإنتاج كل كيلوجرام منه. والخبر الجيد هو أن هذه المادة تتحلّل تمامًا في مكبات النفايات خلال بضعة أشهر فقط، على عكس العديد من الأقمشة الاصطناعية. ومع ذلك، هناك عقبة تواجهها هذه المادة: فالتقنيات التقليدية لمعالجة نبات الكتّان عبر عملية التخمير الميداني تتطلب ما بين ١٢٠ و٢٤٠ ساعةً لكي تقوم الكائنات الدقيقة بعملها السحري، مما يرفع استهلاك الطاقة إلى نحو ١٠ ميجاجول لكل كيلوجرام من الألياف. وتنشأ مشكلة أخرى من صعوبة تتبع مصدر نبات الكتّان بدقة عبر الأسواق الدولية. وهذه الفجوات تجعل من الصعب الوثوق بجميع الادعاءات المتعلقة بالاستدامة التي نسمعها في كثيرٍ من الأحيان. ولذلك تكتسب الشهادات مثل شهادة «المعايير العضوية العالمية» (GOTS) أو شهادة «الكتّان الأوروبي» أهميةً بالغةً لأي شخص يرغب في التأكد من حصوله على منتجات صديقةٍ حقًّا للبيئة.
القطن العضوي مقابل القطن التقليدي: تأكيد خفض استهلاك المياه بنسبة ٧١–٩١٪، مع بقاء مقايضات الإنتاج واستخدام الأراضي قائمة
تُظهر الدراسات الصادرة عام ٢٠٢٣ أن زراعة القطن العضوي تقلل من استهلاك المياه العذبة بنسبة تتراوح بين ٧١٪ و٩١٪ مقارنةً بالطرق الزراعية التقليدية. وبالمقابل، تنخفض كمية المواد الكيميائية الضارة المستخدمة بنسبة تصل إلى ٩٨٪ تقريبًا، ما يسهم في الحفاظ على صحة التربة والممرات المائية لصالح جميع الأطراف المعنية. ومع ذلك، فإن المزارع العضوية تميل عمومًا إلى إنتاج أقل بحوالي ٢٠–٣٠٪ من القطن لكل فدان مقارنةً بالمزارع التقليدية، ما يعني أنها تحتاج إلى مساحات أراضٍ أكبر لإنتاج نفس الكمية من النسيج. علاوةً على ذلك، يظل استهلاك الطاقة مرتفعًا نسبيًّا عند نحو ٥٤ ميغاجول لكل كيلوجرام. ولا يعاني القطن العضوي من مشكلة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي يسببها البوليستر، ويُنتج نحو ٢,٤ كيلوجرام من انبعاثات الكربون لكل كيلوجرام من النسيج. لكن إذا أردنا توسيع إنتاج القطن العضوي بشكل مستدام، فسيتعيَّن على المزارعين العمل على سد الفجوة في الإنتاجية. ويمكن أن تساعد ممارسات مثل تدوير المحاصيل، وزراعة المحاصيل الواقية خلال المواسم غير الزراعية، وإعادة إدخال أنواع نباتية متنوعة في سد هذه الفجوة تدريجيًّا.
أقمشة السليلوز المُعاد تجديدها: تينسيل®/ليوسيل وإيكوفرو® كبدائل عالية الأداء
عملية إنتاج مغلقة الحلقة، واسترجاع المذيبات بنسبة تزيد عن ٩٩٪، ومصادر خشبية معتمدة من مجلس إدارة الغابات (FSC)
الأقمشة المصنوعة من السليلوز المعاد تدويره، مثل تينسيل لايوسل وECOVERO، تُستخدم فيها عملية تصنيع مغلقة الحلقة حيث يتم استرجاع أكثر من ٩٩ في المئة من المذيبات وإعادة استخدامها مرارًا وتكرارًا. وهذا يقلل من النفايات الكيميائية ويحد من كمية مياه الصرف التي تُطلق في بيئتنا. أما عجينة الخشب المستخدمة في إنتاج هذه المواد فهي تُستخلص فقط من غابات حاصلة على شهادة مجلس رعاية الغابات (FSC)، ما يعني أننا نستطيع التحقق فعليًّا من حماية النظم الإيكولوجية، وجمع الأشجار بطريقة مسؤولة، وبقاء موائل الحياة البرية سليمة. ووفقًا لتقارير القطاع، فإن هذه الأقمشة تتطلب نحو نصف كمية المياه اللازمة لإنتاج الفيسكوز العادي، كما تُنتج نحو نصف الكميات المُنبعثة من الغازات الضارة أيضًا. علاوةً على ذلك، فإنها تتحلل طبيعيًّا عند التخلص منها ولا تطلق سوى كميات ضئيلة جدًّا من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة مقارنةً بالمواد الاصطناعية الأخرى. وكل هذه العوامل تجعلها تبرز باعتبارها إحدى أنسب خيارات الأقمشة الصديقة للبيئة المتاحة حاليًّا في السوق لأي شخص يهتم بالاستدامة.
جدول المحتويات
- كيفية قياس أكثر الأقمشة صداقةً للبيئة
-
أفضل الألياف الطبيعية مرتبةً حسب تأثيرها البيئي
- القنب: يستهلك كمية قليلة من المياه، ويزيد من احتجاز الكربون، ويحتاج إلى كميات ضئيلة من المبيدات الزراعية
- الكتان (الكتّان): مقاوم للجفاف وقابل للتحلل البيولوجي—لكن استهلاك الطاقة في عملية التخمير وشفافية سلسلة التوريد يُعدان عاملين حاسمين
- القطن العضوي مقابل القطن التقليدي: تأكيد خفض استهلاك المياه بنسبة ٧١–٩١٪، مع بقاء مقايضات الإنتاج واستخدام الأراضي قائمة
- أقمشة السليلوز المُعاد تجديدها: تينسيل®/ليوسيل وإيكوفرو® كبدائل عالية الأداء

